الأربعاء، 20 أبريل 2016

‫#‏لغةالعرب‬ (الضَّـرورةُ الشعريـَّةُ) بقلم الأستاذ فارس العبيدي 2016


قرأتُ عنِ الضروراتِ الشعريَّةِ وإباحـةِ الكثيرِ منها عندَ نظمــِ الشـِّعـْرَ، وكيفَ يظـُنُّ البعضُ أنَّ ناظِمَ الشـِّعرِ لـَهُ مطلـَقُ الحريَّةِ بتجـاوزِ قواعدِ اللغةِ العربيةِ، وإنْ أخطأَ فيْ شيءٍ علـَّقَهُ علىْ شمـَّاعـَةٍ اسمـُهَـا( الضَّـرورةُ الشعريـَّةُ) .
وقد أُجيزَ للشاعرِ مـُنذُ القِدَمِ أنْ يَلجـَأَ إلى استخدامِ الضرورةِ الشعريةِ، ولمْ يشتَرِطْ بعضُ النقَّادِ والنحـْويِّينَ أنْ يُضطـَرَّ الشاعرُ إلى ذلكَ ، بلْ جوَّزُوا لهُ فيْ الشعرِ مـا لم يُجَزْ في الكلامِ؛ بمعنىْ: لا يُسألُ الشاعرُ ولا يُؤاخَذُ فيْ لجـُوئـِهِ للضرورةِ، لأنها تُولـَدُ فيْ لحظاتِ الإبداعِ والإلهامِ، إلاَّ بمـا يُؤاخـَذُ علىْ شعرهِ بشكلٍ عامٍّ، مــِنْ حيثُ التَّشكيلُ السليمُ البليغُ، والمضمونُ السَّـامـيْ الرفيعُ، وهذا الأمرُ تعارَفَ عليهِ الشعراءُ، والأدباءُ، وعلمـاءُ اللغةِ، والنحـْويُّونَ، والنُّقَّادُ من عصورٍ مـَضـَتْ وفيْ أزمـنةِ المُوَلـِّدينَ وإلىْ أيامــِنا المعاصـِِرةِ. ويَنقلُ الزمخشريُّ في كتابـِهِ (ربيعُ الأبرارِ) عن الخليلِ بنِ أحمدَ الفراهيديِّ قولـَهُ: الشعراءُ أمـَراءُ الكلامِ، يَصرِفونَهُ أنَّىْ شاؤُوا، وجـازَ لهم فيهِ مـا لا يجوزُ لغيرِهـِمْ من إطلاقِ المعنىْ وتقييدِهِ، وتسهيلِ اللـَّفظِ وتعقيدِهِ، ومـَدِّ مقصورِهِ وقَصـْرِ مـَمدودِهِ، والجمعِ بينَ لغاتِهِ، والتوصيفِ بينَ صِـلاتِهِ، واستخراجِ مـا كَلــَّتِ الألـْسُـنُ عنْ نعـْتِهِ، والأذهانُ عنْ فهمــِهِ، يُبعِدونَ القريبَ، ويُقَرِّبونَ البعيدَ، يُحـتَجُّ بـِهِمْ ولا يُحـتَجُّ علـَيْهِمْ . وقرأتُ أيضـًا: كلُّ الضروراتِ يُوظـِّفُها الشاعرُ لكيْ لا يَتَجـاوَزَ أوزانَ بحورِ الخليلِ، ومـا تَدارَكَهُ الأخفشُ الأوسطُ، بتمامــِها ومجزوءاتِها، ومشطوراتِها، ومنهوكاتِها، وبكلِّ أنواعِ أضرُبـِها، فلا نُوَلـِّدُ أوزانًا أخرىْ غيرَ مضمونةِ النتائجِ، يمـُجـُّها الذوقُ العربيُّ، وتَقذِفُ بـِهـا الأذْنُ العربيةُ إلىْ سَـلـَّةِ المـُهـْمـَلاتِ.
ومــِنْ وجهـَةِ نظرٍ جـِدُّ مـتواضعـَةٍ أرانيْ لا أتَّفِقُ معَ كثيرٍ من الجوازاتِ الممنوحـَةِ (مـعَ اعترافي بأنَنيْ لا أمثـِّلُ جــِهـَةَ حُكـْمٍ يُعتَدُّ بها في الرُّجوعِ إلى قواعدِ اللغةِ العربيَّةِ، ومعَ علميْ الأكيدِ بأنَّ الذينَ أجـازُوا ذلك َ همْ من عمالـقةِ اللغـةِ وفحـُولـِهَـا)، إلا إنَّنيْ وبكلِّ احترامٍ لـَهُمْ جميعًـا، أتقبَّلُ جوازاتٍ محدودةً (مثلَ: صرفِ المـَمنوعِ من الصرفِ، وإشباعِ الفتحةِ والضمـَّةِ والكسرةِ، وفي مواضعَ معيَّنَةٍ، أُجيزُ القصْـرَ والمـدَّ الذي لا يلتَبـِسُ فيهِ المعنىْ، علىْ أنْ يكونَ كلُّ ذلكَ بحدودٍ وليسَ بصيغـَةِ المـُطلـَقِ). ومعَ اقتناعيْ بالحـاجةِ إلى التَّجديدِ وأنَّ التجديدَ بحـاجـةٍ إلى عباقرةٍ يفرِضونَ ذوقَهُمُ الفنيَّ واللغَويَّ والإيقاعيَّ علىْ مسامعِ الأمـَّةِ، إلاَّ إنَّنيْ أُفضِّـلُ الالتزامَ بثوابتِ اللـُّغـَةِ العربيةِ خشيةَ الانجرارِ وراءَ التحديثِ المـُطلـَقِ، وحفاظـًا علىْ سلامةِ اللغـَةِ منَ الضَّياعِ أوِ الانحرافِ . وأظنُّ أنَّ بعضَ مـَنْ ينظـِمونَ الشعرَ منَ المتأخِّرينَ يستخدمونَ الضروراتِ لضعفِ إمكاناتِهمُ اللغويةِ وقلـَّةِ المفرداتِ المتوافرةِ فيْ مخزونِهِم الثقافيِّ أوْ عدمِ اجتهادِهـِمْ فيْ البحثِ عنْ بدائلَ تُناسبُ الوزنَ والتفعيلةَ المطلوبةَ دونَ اللـُّجـُوءِ إلىْ الضـَّروراتْ، ومـَرَدُّ ذلكَ أنَّنيْ أخشىْ أنْ تُصبـِحَ تلكَ الجوازاتُ ثابتًا من ثوابتِ اللغةِ عندَ بعضِ أجيالـِنا الحديثةِ والمـُقبلـَةِ، فيختلطَ (علىْ المبتدِئينَ) الحـابلُ بالنَّابلِ وتضيعَ اللغةُ لكثرةِ الجوازاتِ.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق